الشيخ محمد الصادقي

98

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

وبين شق صالح عن فصل طالح ، وخلق الرحمن كله شق صالح ك « فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى » وقد فلق حب الانسان ونواه فَطراً صالحاً بفطرة هي الدين الحنيف القيِّم . ثم ذلك الشق في الفَطر له مَيِّزة الابتداء الابتداع « 1 » دون مجرد الخلق الأعم من مُبتدَءٍ مبتدع ، ففيه - / اذاً - / أوّليتان اثنتان بدءً وبدعاً ، خلاف سائر الخلق بعد الأولية وغير المبدَعة إذ تُخلق على مثال ما خلق مثله أوّل مرة ، ولمحة صارحة صارخة لهذه الميِّزة في الفَطر : « فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ » ( 17 : 51 ) حيث الفطر المقابل للإعادة يناسبه البداية ، وليست الإعادة فطراً كما « وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » ( 36 : 22 ) حيث الرجوع العود يقابل الفَطْر ، فهو البدء « كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ » ( 21 : 104 ) ، ثم الفطرة هي هيئة وحالة خاصة من ذلك الفَطر خُصَّت في آيتها بالناس كما اختصت بالله : فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها » . اذاً فللفطرة في خلق الناس الأولية المتينة المكينة ، المبدئَة المبدعة المزيجة بأصل ذاته ، المدغمة في انيّاته لمكان « فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » دون « فطرها على الناس « أو « فطر معها الناس » امّاذا من تعابير تجعلها فرعاً على ذوات الناس ، أم موازية في فطْر الناس ، وانما « فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » مما يبرهن آنها رأس الزاوية من كون الناس وكيانهم ، القاعدة الأصيلة من الانسان أياً كان بقلبه وقالبه . فكما أن للانسان كياناً حيوانياً أصيلًا تتبناه أجزاءه وأعضاءه ، وهى النطفة التي خلق منها ، كذلك - / وبأحرى - / له كيان انساني أصيل تتبناه روحه وعقله وصدره وقلبه ولبَّه وفوآده ، ألا وهى « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » . وهذان البُعدان هما جوهر انسانية الانسان كمزيج من حيوان وانسان ، والبُعد الأصيل بينهما هو بُعد الفطرة ، ومن ثم بُعد النطفة ، وقد تعنيها آية الذر في « ذُرِّيَّتَهُمْ » : « « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ

--> ( 1 ) - / لسان العرب عن ابن الأثير الفطر الابتداء والاختراع والفطرة منه الحالة .